مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ
نص المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَهْلًا بِكَ يَا مَنْ بَحَثْتَ عَنْ مَرْفَأٍ لِقَلْبِكَ...
فِي زَحْمَةِ الحَيَاةِ وَتَسَارُعِ أَيَّامِهَا، يَمُرُّ بِنَا شَهْرُ رَمَضَانَ كَنَسْمَةٍ حَانِيَةٍ تَزُورُ الأَرْوَاحَ العَطْشَى. لَكِنْ.. كَمْ مَرَّةٍ دَخَلَ عَلَيْنَا رَمَضَانُ وَخَرَجَ، وَنَحْنُ نَشْعُرُ أَنَّنَا لَمْ نَنَلْ مِنْ حَقِيقَتِهِ إِلاَّ الظَّاهِرَ؟ كَمْ مَرَّةٍ تَمَنَّيْنَا أَنْ نَعِيشَ أَيَّامَهُ بِقُلُوبِنَا لَا بِأَجْسَادِنَا فَحَسْبُ؟
هَذَا الكِتَابُ لَيْسَ جَمْعًا لِلأَحْكَامِ، وَلَا سَرْدًا لِلْمَعْلُومَاتِ.. إِنَّهُ «دَلِيلُ الرُّوحِ فِي رِحْلَةِ المَقَامَاتِ».
ثَلَاثُونَ رِسَالَةً زَكِيَّةً، تَأْخُذُ بِيَدِكَ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَتَنْتَقِلُ بِكَ مِنْ «مَقَامِ التَّوْبَةِ» وَالشَّوْقِ، إِلَى «مَقَامِ الإِخْلَاصِ»، وَ«المَرَاقَبَةِ»، وَ«التَّوَكُّلِ»، حَتَّى تَصِلَ بِكَ إِلَى «مَقَامِ الفَرَحِ بِتَمَامِ الطَّاعَةِ».
سَوَاءٌ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّطُورَ بِعَيْنَيْكَ، أَوْ تَسْتَمِعُ إِلَيْهَا بِقَلْبِكَ وَأُذُنَيْكَ، فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ كُلَّ يَوْمٍ دَقَائِقَ مَعَدُودَاتٍ؛ كَيْ تَقِفَ مَعَ كُلِّ مَقَامٍ، وَتَتَأَمَّلَ رَسَائِلَهُ، وَتُطَبِّقَ «وَاجِبَهُ العَمَلِيَّ».
لَا تَدَعْ هَذَا المَوْسِمَ يَمُرَّ كَسَابِقِهِ.. أَعِدَّ قَلْبَكَ، وَافْتَحْ صَفْحَتَكَ المَشْرِقَةَ، وَابْدَأْ رِحْلَتَكَ مَعَنَا الآنَ!
مَقَامُ التَّقْوَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣].
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣].
نص الرسالة والشرح
التَّقْوَى أَعْظَمُ الخِصَالِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالتَّقْوَى تَشْرَحُ الصُّدُورَ، وَبِالتَّقْوَى يُحِبُّنَا اللَّهُ، وَيَتَقَبَّلُ أَعْمَالَنَا، وَبِهَا نَحْظَى بِوِلَايَةِ الحَيِّ القَيُّومِ، وَبِالتَّقْوَى تَعْظُمُ دَرَجَاتُنَا عِنْدَ رَبِّنَا، وَنَنَالُ بُشْرَى رَبِّنَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ لَنَا بِالتَّقْوَى فُرْقَانًا، وَيَجْعَلُ لَنَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَبِالتَّقْوَى نَحْظَى بِلِبَاسٍ هُوَ خَيْرٌ مِنَ اللِّبَاسِ الظَّاهِرِيِّ، وَبِالتَّقْوَى نَنْجُو مِنَ النَّارِ، وَنَحْظَى بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي يَوْمِ الدِّينِ. التَّقْوَى هِيَ فِعْلُ الطَّاعَاتِ، وَاجْتِنَابُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»؛ خَصَّ الصَّوْمَ بِأَنَّهُ لَهُ -وَإِنْ كَانَتِ العِبَادَاتُ كُلُّهَا لَهُ- لِأَمْرَيْنِ خَالَفَ الصَّوْمُ بِهِمَا سَائِرَ العِبَادَاتِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّوْمَ يَمْنَعُ مِنْ مَلَاذِّ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا مَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ سَائِرُ العِبَادَاتِ إِلَّا الصَّلَاةَ. الثَّانِي: أَنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، لَا يَظْهَرُ إِلَّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ العِبَادَاتِ ظَاهِرٌ، رُبَّمَا فَعَلَهُ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَلِهَذَا صَارَ أَخَصَّ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِهِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ؛ الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ» [أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ].
حَدِّدْ مَطْلَبًا كَبِيرًا تَرْجُوهُ فِي حَيَاتِكَ، وَأَلِحَّ عَلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ فِيهِ، مُحْسِنًا الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٦].
مَقَامُ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإِسْرَاءِ: ٧٩].
نص الرسالة والشرح
قِيَامُ اللَّيْلِ فِيهِ الخَلْوَةُ مَعَ البَارِئِ، وَالمُنَاجَاةُ دُونَ النَّاسِ؛ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ؛ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرِزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عَنْهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ».
لَوْ يَعْلَمُ المَحْرُومُ سَعَادَةَ مَنْ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَيَتَلَذَّذُ بِقُرْبِهِ، وَيَبْكِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ وَشَوْقِهِ، يَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخَافُ عَذَابَهُ؛ لَرَأَى السَّعَادَةَ كُلَّهَا فِي القِيَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتِلَاوَةِ كَلَامِهِ، وَلَرَأَى الفَرَحَ وَالسُّرُورَ فِي تَسْبِيحِهِ وَذِكْرِهِ، وَلَرَأَى عَظِيمَ فَضْلِهِ فِي السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلتَّمَتُّعِ بِمُنَاجَاتِهِ وَقُرْبِهِ، وَلَرَأَى شُجُونَ القَلْبِ وَفَرَحَهُ بِطَاعَتِهِ لِرَبِّهِ؛ فَيَا لَهَا مِنْ سَعَادَةٍ لَا يَنَالُهَا إِلَّا مَنْ صَدَقَ مَعَ رَبِّهِ! قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠-٦١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفُرْقَانِ: ٦٤].
لَقَدْ رَبَّى اللَّهُ تَعَالَى الرَّعِيلَ الأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فِي بَدْءِ الدَّعْوَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا كَامِلًا عَلَى عِبَادَةٍ عُنْوَانُهَا الإِخْلَاصُ وَقِوَامُهَا الصَّبْرُ؛ حِينَ يَتْرُكُ الإِنْسَانُ المُتَهَجِّدُ دِفْءَ الفِرَاشِ، وَيَصُفُّ قَدَمَيْهِ فِي مِحْرَابِهِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ، وَلَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ هَذَا عَنِ الحَفَظَةِ لَأَخْفَاهُ. إِنَّ سُجُودَ المِحْرَابِ، وَاسْتِغْفَارَ الأَسْحَارِ، وَدُمُوعَ المُنَاجَاةِ سِيمَاءٌ يَحْتَكِرُهَا المُؤْمِنُونَ؛ وَلَئِنْ تَوَهَّمَ الدُّنْيَوِيُّ جَنَّاتِهِ فِي الدِّينَارِ وَالنِّسَاءِ وَالقَصْرِ المَنِيفِ، فَإِنَّ جَنَّةَ المُؤْمِنِ فِي مِحْرَابِهِ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فِي صَلَاةِ القِيَامِ اللَّيْلَةَ لَا تَنْسَ وَالِدَيْكَ وَذَوِي رَحِمِكَ وَإِخْوَانَكَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٦].
مَقَامُ التَّدَبُّرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٢].
نص الرسالة والشرح
إِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ الكَرِيمِ عَلَاقَةٌ وَطِيدَةٌ وَثِيقَةٌ، يُرْشِدُ لِهَذِهِ العَلَاقَةِ أَنَّ نُزُولَ القُرْآنِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدُّخَانِ: ٣]. وَلِنُزُولِ القُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَشَهْرُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ خَاتَمُ كُتُبِ المُرْسَلِينَ وَالمُهَيْمِنُ عَلَيْهَا أَجْمَعِينَ. وَلَيْسَ خَفِيًّا أَنَّ المَقْصُودَ الأَسَاسَ مِنَ القُرْآنِ العَمَلُ بِمَا فِيهِ، وَتَنْزِيلُهُ عَلَى وَاقِعِ الحَيَاةِ؛ فَالقُرْآنُ كِتَابُ هِدَايَةٍ وَرَشَادٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإِسْرَاءِ: ٩]؛ فَالْمُهِمَّةُ الأَسَاسُ لِهَذَا القُرْآنِ هِدَايَةُ الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَإِرْشَادُ العِبَادِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
وَطَرِيقُ العَمَلِ بِالقُرْآنِ وَتَفْعِيلِهِ فِي وَاقِعِ الحَيَاةِ تَدَبُّرُهُ وَالوُقُوفُ عَلَى مَقَاصِدِهِ وَالعِلْمُ بِمَرَامِيهِ؛ فَلَا بُدَّ لِقَارِئِ القُرْآنِ أَنْ يَجْتَهِدَ وُسْعَهُ وَيَبْذُلَ جَهْدَهُ لِيَفْهَمَ كَلَامَ رَبِّهِ؛ إِذْ لَا عَمَلَ بِلَا فَهْمٍ، وَلَا فَهْمَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ وَاعِيَةٍ لِلْقُرْآنِ وَتَدَبُّرٍ لِآيَاتِهِ البَيِّنَاتِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»: «فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ». وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَدْ وَبَّخَ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٢]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤]. فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الخُشُوعِ القَلْبِيِّ وَالتَّفَاعُلِ الوِجْدَانِيِّ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَتَهْيِئَةِ القَلْبِ لِاسْتِنْبَاتِ هِدَايَاتِ القُرْآنِ المُخْتَلِفَةِ عَلَى الوَجْهِ الأَمْثَلِ؛ فَالقَلْبُ إِذَا كَانَ مَلِيئًا بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ حُجِبَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ هِدَايَاتِهِ.
إِنَّ مُهِمَّةَ التَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ هِيَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ المُسْلِمُ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ فِي سُلُوكِهِ وَعَلَاقَاتِهِ كُلِّهَا، وَأَنْ يَسْتَسْلِمَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ فِي مَيَادِينِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
دَوِّنْ خَوَاطِرَكَ بَعْدَ تَدَبُّرِكَ لِآيَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ فِي كُرَّاسٍ مُنْفَصِلٍ لِتَتَعَوَّدَ عَلَى تَدْوِينِ خَوَاطِرِكَ، وَلِتَسْتَفِيدَ أَنْتَ وَغَيْرُكَ بِهَا، وَلِتُكْتَبَ فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِكَ؛ يَقُولُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: «الخَوَاطِرُ صَيْدٌ وَالكِتَابَةُ قَيْدٌ».
مَقَامُ الإِنْفَاقِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥].
نص الرسالة والشرح
شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ الجُودِ وَالعَطَاءِ، وَالبَذْلِ وَالإِحْسَانِ، شَهْرُ التَّوَاصُلِ وَالتَّكَافُلِ، شَهْرٌ تَغْمُرُ فِيهِ الرَّحْمَةُ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، وَتَجُودُ فِيهِ بِالعَطَاءِ أَيْدِي المُحْسِنِينَ. وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ أَمْثِلَةِ البَذْلِ وَالعَطَاءِ فِي هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ، حَتَّى وَصَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ: «كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَقَدْ كَانَ الجُودُ أَعْظَمَ أَخْلَاقِهِ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ؛ مِنَ الجُودِ بِالعِلْمِ، وَالجُودِ بِالمَالِ، وَالجُودِ بِالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ؛ جَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَنْ لَا يَخْشَى الفَاقَةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَالصَّوْمُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَلَلٌ أَوْ نَقْصٌ، وَالصَّدَقَةُ تَجْبُرُ النَّقْصَ وَالخَلَلَ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. وَلِأَنَّ هُنَاكَ عَلَاقَةً خَاصَّةً بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؛ فَالجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ مُوجِبَاتِ الجَنَّةِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، قَالُوا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَلَانَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «الصَّلَاةُ تُوصِلُ صَاحِبَهَا إِلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، وَالصِّيَامُ يُوصِلُهُ إِلَى بَابِ المَلِكِ، وَالصَّدَقَةُ تَأْخُذُ بِيَدِهِ فَتُدْخِلُهُ عَلَى المَلِكِ».
فَاغْتَنِمْ أُخَيَّ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَأَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ، وَتَذَكَّرْ إِخْوَةً لَكَ عَلَى الثُّغُورِ مُرَابِطِينَ، وَعَائِلَاتٍ غَابَ عَنْهَا مُعِيلُهَا فِي غَيَاهِبِ السُّجُونِ، وَ فُقَرَاءَ يَئِنُّونَ تَحْتَ وَطْأَةِ الجُوعِ وَالفَقْرِ وَالحَاجَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ تَمَامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الإِنْفَاقَ مِنْهَا، وَأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَقْوَامًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ العِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ؛ فَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الكَثِيرَ، وَطَلَبَ مِنْكَ القَلِيلَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥].
- ادْعُ أَهْلَ بَيْتِكَ لِلْإِنْفَاقِ خِلَالَ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
- لِيَضَعْ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الأُسْرَةِ سَهْمَهُ يَوْمِيًّا فِي حَصَّالَةِ رَمَضَانَ.
- تَفَقَّدْ إِخْوَانَكَ وَجِيرَانَكَ وَلَا تَنْسَهُمْ مِنَ العَطَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
مَقَامُ الدُّعَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٦].
نص الرسالة والشرح
فِي سِيَاقِ آيَاتِ الصِّيَامِ جَاءَتْ لَفْتَةٌ عَجِيبَةٌ تُخَاطِبُ أَعْمَاقَ النَّفْسِ، وَتُلَامِسُ شَغَافَ القَلْبِ، وَتُسَرِّي عَنِ الصَّائِمِ مَا يَجِدُهُ مِنْ مَشَقَّةٍ، وَتَجْعَلُهُ يَتَطَلَّعُ إِلَى العِوَضِ الكَامِلِ وَالجَزَاءِ المُعَجَّلِ؛ هَذَا العِوَضِ وَذَلِكَ الجَزَاءِ الَّذِي يَجِدُهُ فِي القُرْبِ مِنَ المَوْلَى جَلَّ وَعَلَا، وَالتَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاتِهِ، وَالوَعْدِ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ، حِينَ خَتَمَ اللَّهُ آيَاتِ فَرْضِيَّةِ الصِّيَامِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٦]؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَسْكُبُ فِي نَفْسِ الصَّائِمِ أَعْظَمَ مَعَانِي الرِّضَا وَالقُرْبِ، وَالثِّقَةِ وَاليَقِينِ، لِيَعِيشَ مَعَهَا فِي جَنَبَاتِ هَذَا المَلَاذِ الأَمِينِ وَالرُّكْنِ الرَّكِينِ.
وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى ارْتِبَاطِ عِبَادَةِ الصَّوْمِ بِعِبَادَةِ الدُّعَاءِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَوْقَاتِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا الإِجَابَةُ وَالقَبُولُ شَهْرَ رَمَضَانَ المُبَارَكَ الَّذِي هُوَ شَهْرُ الدُّعَاءِ.
وَلِلدُّعَاءِ شُرُوطٌ وَآدَابٌ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا وَالأَخْذُ بِهَا حَتَّى يَكُونَ الدُّعَاءُ مَقْبُولًا مُسْتَجَابًا:
فِي مُقَدِّمَتِهَا إِخْلَاصُ الدُّعَاءِ لِلَّهِ، وَإِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِالقَصْدِ وَالتَّوَجُّهِ، فَلَا يَدْعُو إِلَّا اللَّهَ وَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا سِوَاهُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ قُوَّةِ الرَّجَاءِ وَحُضُورِ القَلْبِ وَعَدَمِ الغَفْلَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَعَلَى الدَّاعِي أَنْ يَجْزِمَ فِي المَسْأَلَةِ وَلَا يَتَرَدَّدَ، وَلَا يَسْتَعْجِلَ الإِجَابَةَ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ؛ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهَ لَهُ»، وَقَوْلِهِ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
وَلْيَتَحَرَّ الأَوْقَاتَ وَالأَحْوَالَ الَّتِي تَكُونُ الإِجَابَةُ فِيهَا أَرْجَى؛ كَلَيْلَةِ القَدْرِ، وَجَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ، وَبَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَحَالِ السُّجُودِ، وَالصِّيَامِ، وَالسَّفَرِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْقَاتِ الإِجَابَةِ.
وَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالإِقْرَارَ وَالِاعْتِرَافَ بِالذَّنْبِ وَالخَطِيئَةِ؛ فَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجِلْتَ أَيُّهَا المُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَعَلَيْهِ أَنْ يُلِحَّ فِي دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ، وَيُعَظِّمَ المَسْأَلَةَ، وَيُظْهِرَ الفَاقَةَ وَالمَسْكَنَةَ، وَيَدْعُوَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ وَمَنْشَطٍ وَمَكْرَهٍ، وَيُكَرِّرَ دُعَاءَهُ ثَلَاثًا؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُكْثِرْ؛ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ رَبَّهُ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]، وَقَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ حَالَ الدُّعَاءِ؛ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَعَلَى الدَّاعِي أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بَيْنَ المُخَافَتَةِ وَالجَهْرِ؛ لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأَعْرَافِ: ٥٥]، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
وَلْيَتَخَيَّرْ جَوَامِعَ الدُّعَاءِ، وَالأَدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ الَّتِي جَاءَتِ النُّصُوصُ بِأَنَّهَا أَرْجَى لِلْقَبُولِ وَالإِجَابَةِ؛ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاءِ: ٨٧]، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَعَلَى الدَّاعِي أَنْ يُطِيبَ مَطْعَمَهُ وَمَشْرَبَهُ حَتَّى يَكُونَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَأَلَّا يَدْعُوَ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ الِاعْتِدَاءَ فِي دُعَائِهِ، وَلَا يَدْعُوَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، وَقَوْلِهِ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
تَحَرَّ هَذِهِ الأَوْقَاتِ بِالدُّعَاءِ فِي أَيَّامِ وَلَيَالِي رَمَضَانَ وَلَا تَتْرُكْهَا تَضِيعُ مِنْكَ: عِنْدَ الإِفْطَارِ، وَفِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ، وَبَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَبَعْدَ تِلَاوَةِ وِرْدِكَ القُرْآنِيِّ، وَآخِرَ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَحَالِ السُّجُودِ، وَلَيْلَةَ القَدْرِ، وَالسَّفَرِ.
مَقَامُ التَّوْبَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحِجْرِ: ٤٩].
نص الرسالة والشرح
مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ فَتَحَ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِيهِ مَلَاذًا آمِنًا، وَمَلْجَأً حَصِينًا، يَلِجُهُ المُذْنِبُ، مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ، مُؤَمِّلًا فِي رَبِّهِ، نَادِمًا عَلَى فِعْلِهِ، لِيَجِدَ فِي قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ مَا يُزِيلُ عَنْهُ وَحْشَةَ الذَّنْبِ، وَيُنِيرُ لَهُ ظَلَامَ القَلْبِ، وَتَتَحَوَّلُ حَيَاتُهُ مِنْ شَقَاءِ المَعْصِيَةِ وَشُؤْمِهَا، إِلَى نُورِ الطَّاعَةِ وَبَرَكَتِهَا. وَقَدْ دَعَا اللَّهُ عِبَادَهُ إِلَى التَّوْبَةِ مَهْمَا عَظُمَتْ ذُنُوبُهُمْ وَجَلَّتْ سَيِّئَاتُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا وَرَغَّبَهُمْ فِيهَا، وَوَعَدَهُمْ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَتَبْدِيلِ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ رَحْمَةً وَلُطْفًا مِنْهُ بِالعِبَادِ.
وَمَنْزِلَةُ التَّوْبَةِ هِيَ أَوَّلُ المَنَازِلِ وَأَوْسَطُهَا وَآخِرُهَا، لَا يُفَارِقُهَا العَبْدُ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهَا حَتَّى المَمَاتِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ ارْتَحَلَ بِهَا وَاسْتَصْحَبَهَا مَعَهُ، فَهِيَ بِدَايَةُ العَبْدِ وَنِهَايَتُهُ؛ وَلِذَا خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الإِيمَانِ وَخِيَارَ خَلْقِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتُوبُوا إِلَيْهِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، وَعَلَّقَ الفَلَاحَ بِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّورِ: ٣١]. وَقَسَّمَ العِبَادَ إِلَى تَائِبٍ وَظَالِمٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحُجُرَاتِ: ١١]. وَصَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَإِذَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فِي اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ المُذْنِبِينَ وَالمُقَصِّرِينَ؟!
وَرَمَضَانُ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاسِمِ التَّوْبَةِ وَالمَغْفِرَةِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ». كَيْفَ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ وَقِيَامَ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مُكَفِّرًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ؟! وَالعَبْدُ يَجِدُ فِيهِ مِنَ العَوْنِ مَا لَا يَجِدُهُ فِي غَيْرِهِ؛ فَفُرَصُ الطَّاعَةِ مُتَوَفِّرَةٌ، وَالقُلُوبُ عَلَى رَبِّهَا مُقْبِلَةٌ، وَأَبْوَابُ الجَنَّةِ مُشْرَعَةٌ، وَأَبْوَابُ النَّارِ مُوصَدَةٌ، وَدَوَاعِي الشَّرِّ مُضَيَّقَةٌ، وَالشَّيَاطِينُ مُصَفَّدَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُعِينُ المَرْءَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ.
فَلِذَلِكَ، كَانَ المَحْرُومُ مَنْ ضَيَّعَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَأَدْرَكَ هَذَا الشَّهْرَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ الذُّلَّ وَالإِبْعَادَ بِدُعَاءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَأْمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ قَالَ جِبْرِيلُ: «يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ، وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقَالَ: آمِينَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَلِلتَّوْبَةِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ لَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِهَا لِكَيْ تَكُونَ صَحِيحَةً مَقْبُولَةً:
١. أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
٢. العَجَلَةُ (قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ الحُلْقُومَ)؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
٣. الإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدَّعِيَ العَبْدُ التَّوْبَةَ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى المَعْصِيَةِ.
٤. النَّدَمُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَالنَّدَمُ رُكْنُ التَّوْبَةِ الأَعْظَمُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ].
٥. العَزْمُ عَلَى عَدَمِ العَوْدَةِ إِلَى الذَّنْبِ فِي المُسْتَقْبَلِ.
٦. رَدُّ الحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُمْ، إِنْ كَانَ الذَّنْبُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ المَخْلُوقِينَ.
حَرِيٌّ بِنَا أُخَيَّ الصَّائِمَ وَنَحْنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ أَنْ نَتَخَفَّفَ مِنَ الأَوْزَارِ، وَنُقْلِعَ عَنِ المَعَاصِي وَالمُوبِقَاتِ، وَنَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً صَادِقَةً، وَأَنْ نَجْعَلَ مِنْ رَمَضَانَ مَوْسِمًا لِتَقْوِيمِ أَعْمَالِنَا، وَتَصْحِيحِ مَسِيرَتِنَا، وَمُحَاسَبَةِ نُفُوسِنَا؛ فَإِنْ وَجَدْنَا خَيْرًا حَمِدْنَا اللَّهَ وَازْدَدْنَا مِنْهُ، وَإِنْ وَجَدْنَا غَيْرَ ذَلِكَ تُبْنَا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفَرْنَا مِنْهُ، وَأَكْثَرْنَا مِنْ عَمَلِ الصَّالِحَاتِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كُنَّا نَعُدُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِئَةَ مَرَّةٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ».
بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ هَذَا اليَوْمَ قُلْ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ» مِئَةَ مَرَّةٍ، احْمِلْ مِسْبَحَتَكَ وَاسْتَفِدْ مِنْ وَقْتِكَ وَلَا تُضَيِّعْهُ، فَالوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ.
مَقَامُ الإِخْلَاصِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
الإِخْلَاصُ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ: «قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ القُلُوبِ بِبَصِيرَةِ الإِيمَانِ وَأَنْوَارِ القُرْآنِ أَنْ لَا وُصُولَ إِلَى السَّعَادَةِ إِلاَّ بِالعِلْمِ وَالعِبَادَةِ؛ فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلاَّ العَالِمِينَ، وَالعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلاَّ العَامِلِينَ، وَالعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلاَّ المُخْلِصِينَ، وَالمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ؛ فَالعَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ عَنَاءٌ، وَالنِّيَّةُ بِغَيْرِ إِخْلَاصٍ رِيَاءٌ، وَهُوَ لِلنِّفَاقِ كِفَاءٌ، وَمَعَ العِصْيَانِ سَوَاءٌ». وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ عَمَلٍ كَانَ يُرَادُ بِهِ غَيْرُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفُرْقَانِ: ٢٣].
يَقُولُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «يَا نَفْسُ، أَخْلِصِي تَتَخَلَّصِي»؛ أَيْ: أَخْلِصْ لِلَّهِ تَتَخَلَّصْ مِنْ عَذَابِهِ. وَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: «الإِخْلَاصُ: صِدْقُ النِّيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى». وَقَالَ عُثْمَانُ: «الإِخْلَاصُ: نِسْيَانُ رُؤْيَةِ الخَلْقِ؛ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى الخَالِقِ».
عَلَاقَةُ الصَّوْمِ بِالإِخْلَاصِ:
يُوَضِّحُ الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ هَذِهِ العَلَاقَةَ، وَسَبَبَ نِسْبَةِ فَضْلِ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ؛ حَيْثُ إِنَّ الصِّيَامَ العِبَادَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي اخْتَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثَوَابَهَا لِنَفْسِهِ؛ وَذَلِكَ لِتَحْقِيقِ رُكْنِ الإِخْلَاصِ، وَأَيْضًا فِي الصِّيَامِ قَهْرٌ لِعَدُوِّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، وَإِلَيْكَ شَرْحَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ:
١. الأَوَّلُ: أَنَّ الصَّوْمَ كَفٌّ وَتَرْكٌ، وَهُوَ سِرٌّ وَلَيْسَ عَمَلًا يُشَاهَدُ بَيْنَ النَّاسِ، وَسَائِرُ العِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ تَكُونُ بِمَشْهَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَقَدْ يَتَسَرَّبُ إِلَيْهَا شِرْكُ السَّرَائِرِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ! قَالُوا: وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَاكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ».
٢. الثَّانِي: أَنَّ فِي الصِّيَامِ قَهْرًا لِعَدُوِّ اللَّهِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ؛ وَلِأَنَّ وَسِيلَةَ الشَّيْطَانِ هِيَ الشَّهَوَاتُ، وَإِنَّمَا تَقْوَى الشَّهَوَاتُ وَتَجْمَحُ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَكَانَ الصِّيَامُ لِجَامَهَا؛ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»، فَكُلَّمَا شَبِعَ الإِنْسَانُ جَمَحَتْ شَهْوَتُهُ، وَتَمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنْهُ، وَأَصْبَحَ أَسِيرًا لَهُ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، لَنَظَرُوا إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ».
كَيْفَ تُحَقِّقُ الإِخْلَاصَ؟
- أَنْ تَهْتَمَّ بِنَظَرِ الخَالِقِ لَا بِنَظَرِ المَخْلُوقِينَ، وَأَنْ يَكُونَ هَدَفُكَ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَسْخَطَ اللَّهَ بِرِضَا النَّاسِ، وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ».
- أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَكَ المَدْحُ وَالذَّمُّ؛ فَمَاذَا يُفِيدُ مَدْحُ النَّاسِ وَذَمُّهُمْ مَا دَامَ رَبُّ النَّاسِ عَنْكَ رَاضِيًا؟
- أَنْ يَسْتَوِيَ ظَاهِرُكَ وَبَاطِنُكَ؛ «فَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ».
- أَنْ يَسْتَوِيَ العَمَلُ عِنْدَكَ فِي القِيَادَةِ أَوِ الجُنْدِيَّةِ، فِي أَوَّلِ الصُّفُوفِ وَآخِرِهَا؛ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ تَشَفَّعَ لَمْ يُشَفَّعْ لَهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
- عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ الدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّحَابَةِ قَبْلَ العَمَلِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا أَعْلَمُهُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُهُ».
قُلْ هَذَا اليَوْمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا أَعْلَمُهُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُهُ» مِئَةَ مَرَّةٍ.
مَقَامُ الذِّكْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٢].
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥].
نص الرسالة والشرح
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِذَا ذَكَرْتَنِي خَالِيًا ذَكَرْتُكَ خَالِيًا، وَإِذَا ذَكَرْتَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنَ الَّذِينَ تَذْكُرُنِي فِيهِمْ» [رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ].
إِنَّهُ الذِّكْرُ، ذَلِكَ العَمَلُ العَظِيمُ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرَ الأَعْمَالِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، وَهُوَ عَلَى يُسْرِهِ وَتَوَفُّرِهِ خَيْرٌ مِنَ الْجِهَادِ وَمِنَ الإِنْفَاقِ عَلَى عِظَمِهِمَا وَمَشَقَّتِهِمَا؛ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ». وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَهُ، إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ].
- المُحَافَظَةُ عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَأَذْكَارِ النَّوْمِ وَالِاسْتِيقَاظِ.
- المُحَافَظَةُ عَلَى أَذْكَارِ خِتَامِ الصَّلَاةِ.
- الِاجْتِهَادُ فِي أَنْ تَكُونَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، اجْعَلْ لِنَفْسِكَ وِرْدًا مِنَ الأَذْكَارِ وَحَافِظْ عَلَيْهِ (جَعَلَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ).
مَقَامُ صِلَةِ الرَّحِمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
«هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ».
هَا هِيَ أَيَّامُ هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ تَمْضِي، وَنَسَائِمُ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ وَالبَرَكَةِ مُتَوَاصِلَةٌ فِي أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ، وَأَبْوَابُ الخَيْرِ فِيهِ مُشْرَعَةٌ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا مَكَانَةً، وَأَجَلِّهَا قَدْرًا: صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَصِلَةُ الرَّحِمِ خُلُقٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ، دَعَا إِلَيْهِ الإِسْلَامُ وَحَضَّ عَلَيْهِ، فَهُوَ يُرَبِّي المُسْلِمَ عَلَى الإِحْسَانِ إِلَى الأَقَارِبِ وَصِلَتِهِمْ، وَإِيصَالِ الخَيْرِ إِلَيْهِمْ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النِّسَاءِ: ٣٦]. وَيَقُولُ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ! قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢].
وَلِصِلَةِ الرَّحِمِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ، مِنْهَا: زِيَارَةُ الأَرْحَامِ وَتَفَقُّدُ أَحْوَالِهِمْ، وَتَوْقِيرُ كَبِيرِهِمْ، وَرَحْمَةُ صَغِيرِهِمْ، وَصِلَةُ القَاطِعِ مِنْهُمْ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَى فَقِيرِهِمْ. وَقَدْ خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةَ عَلَى الأَرْحَامِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَإِنَّهَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». وَأَوْلَى الأَرْحَامِ بِالصِّلَةِ: الوَالِدَانِ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الأَهْلِ وَالقَرَابَةِ.
وَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى الأَجْرَ الكَبِيرَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ لِمَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُجَازِي بِهِ اللَّهُ تَعَالَى وَاصِلَ الرَّحِمِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي الرِّزْقِ وَيُبَارِكَ لَهُ فِي العُمْرِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
أَمَّا قَطِيعَةُ الرَّحِمِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ العُقُوبَةَ وَالطَّرْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ لِمَنْ قَطَعَ رَحِمَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢-٢٣]. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ لِوَلَدِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تَصْحَبَنَّ قَاطِعَ رَحِمٍ فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعُونًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ. وَلَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ أَنَّ قَاطِعَ الرَّحِمِ تُعَجَّلُ لَهُ العُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»، أَمَّا فِي الآخِرَةِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ».
وَقَدْ يَقُولُ البَعْضُ بِأَنَّهُ يَصِلُ رَحِمَهُ وَقَرَابَتَهُ وَلَا يَجِدُ مِنْهُمْ مَثِيلَ صِلَةٍ، بَلْ يَجِدُ مِنَ الجَفْوَةِ وَالصُّدُودِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ صِلَتِهِمْ، فَيَقْطَعُ الصِّلَةَ بِرَحِمِهِ؛ يَقُولُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
وَلَا أَفْضَلَ مِنْ شَهْرِ الرَّحْمَةِ مِنْ أَنْ يَتَقَرَّبَ المُسْلِمُ فِيهِ لِرَبِّهِ بِصِلَةِ رَحِمِهِ، ابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِهِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ، وَإِزَالَةً لِمَا قَدْ يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ شَحْنَاءَ؛ فَالمُبَادَرَةُ بِالزِّيَارَةِ وَالصِّلَةِ وَإِنْ كَانَتْ شَاقَّةً عَلَى النَّفْسِ وَلَكِنَّهَا عَظِيمَةُ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَتَفَقَّدَ أَرْحَامَنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ بِالزِّيَارَةِ وَالصِّلَةِ وَالسُّؤَالِ وَالصَّدَقَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَلَا يَتَعَذَّرْ أَحَدٌ بِانْشِغَالِهِ؛ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَصِلَ أَحَدُنَا رَحِمَهُ بِمُكَالَمَةٍ تُزِيلُ مَا عَلِقَ فِي النَّفْسِ، وَتَدْحَرُ الشَّيْطَانَ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابَ الخَيْرِ؛ فَرَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِفَتْحِ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ أَرْحَامِنَا.
- تَوَاصَلْ مَعَ أَرْحَامِكَ وَخَاصَّةً وَالِدَيْكَ وَأَصْحَابِ وَالِدَيْكَ، وَتَفَقَّدِ احْتِيَاجَاتِهِمْ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ خِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ.
- تَفَقَّدْ حَالَ جِيرَانِكَ وَتَوَاصَلْ مَعَهُمْ مَرَّتَيْنِ خِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ.
مَقَامُ الشُّكْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥].
نص الرسالة والشرح
إِنَّ الصِّيَامَ وَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَحْكَامٍ، مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَنَدَبَهُمْ إِلَى شُكْرِهَا؛ وَإِنِ اسْتَحْضَرَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِالهِدَايَةِ عَلَى الدَّوَامِ، وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّاكِرِينَ يَغِيبُ عَنْهُمْ اسْتِحْضَارُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَتَفْصِيلَاتِهَا، الَّتِي مَا شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا لِمَصَالِحِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَشَهْرُ رَمَضَانَ وَمَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ، وَمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ وَالإِحْسَانِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى أُمَّةِ الإِسْلَامِ، وَاسْتِحْضَارُ هَذِهِ النِّعَمِ يَقُودُ إِلَى شُكْرِهَا، كَمَا يَقُودُ إِلَى إِعْطَاءِ رَمَضَانَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ؛ وَلِذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّلَ فَرْضَ الصَّوْمِ وَمَا شُرِعَ فِيهِ مِنَ الرُّخَصِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُونَهُ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥].
فَمِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ اخْتَصَّنَا بِرَمَضَانَ، وَفَرَضَ فِيهِ الصِّيَامَ، وَشَرَعَ القِيَامَ، وَهَدَانَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهِ؛ فَكَمْ فِي الأَرْضِ مِنْ بَشَرٍ مَا هُدُوا لِلْإِيمَانِ بِرَمَضَانَ، وَلَا وُفِّقُوا لِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، فَهَلْ نَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ؟! وَمِنْ مُوجِبَاتِ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي رَمَضَانَ: مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَزِيَادَةِ الحَسَنَاتِ، وَاسْتِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، وَالعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُوجِبُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى جَزَاءَ الصَّائِمِينَ؛ كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَالشَّكُورُ يَجْزِي عَلَى الشُّكْرِ شُكْرًا أَعْظَمَ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٤]. وَإِعَانَةُ الصَّائِمِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَشَيَاطِينِهِمْ بِسَلْسَلَتِهَا فِي رَمَضَانَ، وَفَتْحُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَغَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ، كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ. وَكَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصَّائِمِ: مَا يَجِدُ مِنْ فَرْحَةٍ عِنْدَ فِطْرِهِ بِقَضَاءِ فَرْضِهِ، وَعِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ بِتَحْصِيلِ أَجْرِهِ.
وَمَا اخْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أُمَّةَ الإِسْلَامِ مِنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، يَعْجِزُ العِبَادُ عَنْ شُكْرِهَا مَهْمَا عَمِلُوا، مَنْ وُفِّقَ لِقِيَامِهَا مَرَّةً فَكَأَنَّهُ قَامَ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَكَيْفَ بِمَنْ وَافَقَهَا كُلَّ عَامٍ؟! وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَهَكَذَا مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَمَنْ صَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ فَأَيُّ أَفْضَالِ اللَّهِ عَلَيْنَا بِرَمَضَانَ نُحْصِي؟ وَأَيُّ الأُجُورِ وَالمُكَفِّرَاتِ فِيهِ نُعَدِّدُ؟ فَمَا أَعْظَمَ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا! وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ: مَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الأَحْيَاءِ مِنْ إِدْرَاكِ رَمَضَانَ، وَقَدْ فَاتَ غَيْرَهُمْ، فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ مُرْتَهَنُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، يُجْزَوْنَ بِهَا وَلَا يَعْمَلُونَ.
كُلُّ هَذِهِ النِّعَمِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهَا كَثِيرٌ وَكَثِيرٌ تَسْتَوْجِبُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَشُكْرُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا يَكُونُ بِالقَلْبِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ ذِكْرًا وَشُكْرًا، وَيَكُونُ بِالأَفْعَالِ جِدًّا فِي العِبَادَةِ وَاجْتِهَادًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَلَا بُدَّ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ قَانُونَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٧]، يَكُونُ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ إِدْرَاكِ رَمَضَانَ، فَعَمَرَهُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، تَأَذَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي أَعْمَالِ البِرِّ، فَفَتَحَ لَهُ مِنْهَا أَبْوَابًا لَا تَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ.
- اسْتَصْحِبْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ مَنَّ عَلَيْكَ وَبَلَّغَكَ رَمَضَانَ وَاشْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا عَلَيْهَا.
- مُدَاوَمَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى.
- إِطَالَةُ القِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ («أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»).
مَقَامُ المَرَاقَبَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المُجَادَلَةِ: ٧].
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦-١٨].
نص الرسالة والشرح
«اتَّقِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ».
المَرَاقَبَةُ تَعْنِي: دَوَامَ عِلْمِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِكَ؛ قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ لِرَجُلٍ: رَاقِبِ اللَّهَ تَعَالَى، فَسَأَلَهُ كَيْفَ؟ فَقَالَ: كُنْ أَبَدًا كَأَنَّكَ تَرَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَاللَّهُ تَعَالَى يُصَوِّرُ لَنَا المَرَاقَبَةَ الكَاشِفَةَ لِجَمِيعِ الأَحْوَالِ وَالأَعْمَالِ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ، فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يُونُسَ: ٦١]. وَسُئِلَ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ عَنِ المَرَاقَبَةِ، فَقَالَ: عِلْمُ القَلْبِ بِقُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى.
الصِّيَامُ وَمَقَامُ المَرَاقَبَةِ:
الصِّيَامُ هُوَ دَوْرَةٌ مُكَثَّفَةٌ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ المَرَاقَبَةِ؛ فَالصَّوْمُ يُعَلِّمُ الصَّائِمَ كَيْفَ يَكُونُ مُرَاقِبًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَهُوَ يَغْرِسُ المَرَاقَبَةَ وَيُنَمِّيهَا فِي نَفْسِ الصَّائِمِ؛ فَالِامْتِنَاعُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشُّرْبِ لَهُوَ عَيْنُ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا مِنْ كَمَالِ مَقَامِ المَرَاقَبَةِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَسَائِرِ الأَعْضَاءِ عَنِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي كَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَضِّ السَّمْعِ وَالبَصَرِ عَمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ عَيْنُ المَرَاقَبَةِ.
إِنَّ رَمَضَانَ دَوْرَةٌ مُكَثَّفَةٌ لِتَحْقِيقِ المَرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، حَتَّى أَصْبَحَ الصَّائِمُ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، وَتِلْكَ قِمَّةُ الإِحْسَانِ الَّتِي خَبَّرَ بِهَا النَّبِيُّ العَدْنَانُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَتَخَرَّجَ المُسْلِمُ وَالمُسْلِمَةُ بَعْدَهَا وَقَدْ حَقَّقَا الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ وَالإِحْسَانَ. فَكَمْ مِنْ تَائِبٍ قَدْ كَانَ مِيلَادُهُ فِي رَمَضَانَ، وَكَمْ مِنْ عَاصٍ كَانَتْ بِدَايَةُ طَاعَتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَكَمْ مِنْ مُفَرِّطٍ فِي الفَرَائِضِ كَانَتْ بِدَايَةُ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ.
مِنْ فَضَائِلِ المَرَاقَبَةِ:
- حِمَايَةٌ مِنَ الوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ قَالَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ: عِظْنِي، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ إِذَا عَصَيْتَ خَالِيًا، ظَنَنْتَ أَنَّهُ يَرَاكَ، لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ، فَلَقَدْ كَفَرْتَ». وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَأَرْبَابُ الطَّرِيقِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الخَوَاطِرِ، سَبَبٌ لِحِفْظِهَا فِي حَرَكَاتِ الظَّوَاهِرِ؛ فَمَنْ رَاقَبَ اللَّهَ فِي سِرِّهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ فِي حَرَكَاتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ».
- تَحْسِينُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ عِلْمُ العَبْدِ بِعِظَمِ الرَّبِّ، وَأَنَّ العَظِيمَ سُبْحَانَهُ جَمِيلٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الجَمَالَ، وَمِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا لَهُ وَصْفُ الكَمَالِ وَالجَمَالِ، وَهَذَا مَا نَرَاهُ فِي مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ، فَقَدْ زَيَّنُوا الصِّيَامَ بِحِفْظِ الجَوَارِحِ، وَزَيَّنُوا الصِّيَامَ بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ؛ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
- جَنَّةٌ عَالِيَةٌ؛ إِنَّ أَعْظَمَ ثَمَرَاتِ المَرَاقَبَةِ الجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ مُقِيمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ١٢]. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ حَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطُّورِ: ٢٥-٢٨]. وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتَيْنِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦].
اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
مَقَامُ الصَّبْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
«يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي».
الصَّبْرُ هُوَ سِلَاحُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَحْتَمِي بِهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ مَادَّةُ الصَّبْرِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى بَالِغِ عِنَايَةِ القُرْآنِ بِهَذَا الخُلُقِ الكَرِيمِ. وَالصَّبْرُ مِفْتَاحُ كُلِّ بَابٍ مُغْلَقٍ، وَوَسِيلَةٌ لِكُلِّ مَطْلَبٍ بَعِيدٍ، وَسَبِيلٌ لِلظَّفَرِ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ. وَالصَّبْرُ مِنْ أَجَلِّ العِبَادَاتِ، وَأَعْظَمُ الصَّبْرِ وَأَحْمَدُهُ عَاقِبَةً: الصَّبْرُ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَطَرِيقُ الجَنَّةِ مَحْفُوفَةٌ بِالمَكَارِهِ، مَلِيئَةٌ بِالعَوَائِقِ، مُحَاطَةٌ بِالِابْتِلَاءَاتِ، وَطَرِيقُ النَّارِ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ، مُزْدَانَةٌ بِالزَّخَارِفِ، مَلِيئَةٌ بِمَا يُرَغِّبُ النَّاسَ فِي سُلُوكِهَا؛ وَلِذَا كَانَ سَالِكُوهَا أَكْثَرَ مِنْ سَالِكِي طَرِيقِ الجَنَّةِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عَلَى العَبْدِ الَّذِي يُرِيدُ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ، وَالفَوْزَ بِالجِنَانِ أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَيُصَابِرَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَفِي الِابْتِلَاءَاتِ، وَيُرَابِطَ عَلَى ذَلِكَ، قَائِمًا بِأُمُورِ رَبِّهِ، ثَابِتًا عَلَى دِينِهِ إِلَى أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٠٠].
وَبِالصَّبْرِ عَلَى الحَقِّ يَنَالُ العَبْدُ الإِمَامَةَ فِي الدِّينِ، وَيُمَكَّنُ لَهُ فِي الأَرْضِ؛ كَمَا مَكَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا صَبَرُوا عَلَى ظُلْمِ فِرْعَوْنَ وَجَبَرُوتِهِ، وَثَبَتُوا عَلَى دِينِهِمْ، فَأَوْرَثَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الأَرْضَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأَعْرَافِ: ١٣٧]. وَبِسَبَبِ صَبْرِهِمْ نَالُوا الإِمَامَةَ فِي الدِّينِ، وَشَرُفُوا بِهِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الحَقِّ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٤]. وَمِنْ أَعْظَمِ الشَّرَائِعِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا ذَلِكَ المَقْصُودُ: شَرِيعَةُ الصِّيَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَلِذَلِكَ كَانَ رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ؛ إِذِ الصَّوْمُ تَعْوِيدٌ عَلَى الصَّبْرِ، وَتَمْرِينٌ عَلَيْهِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ مَدْرَسَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ مُنَاسِبَةٌ لِتَأْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّبْرِ فِي المُؤْمِنِ الصَّائِمِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ].
وَالصِّيَامُ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ؛ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ أَنْوَاعَ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةَ: فَالصَّائِمُ يَصْبِرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَصْبِرُ عَلَى تَرْكِ شَهَوَاتِهِ لِلَّهِ وَنَفْسُهُ قَدْ تُنَازِعُهُ إِلَيْهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي». وَفِيهِ يَصْبِرُ عَلَى الجُوعِ وَالعَطَشِ، وَالأَرْقَى مِنْ ذَلِكَ صَبْرُهُ عَلَى أَذَى النَّاسِ وَكَظْمُ غَيْظِهِ وَعَدَمُ رَدِّ فِعْلِهِ؛ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَتَوَلَّى جَزَاءَ الصَّائِمِينَ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ؛ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي».
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠].
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
- امْلِكْ نَفْسَكَ عِنْدَ الغَضَبِ وَاصْبِرْ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
- غُضَّ بَصَرَكَ وَلَا تَمُدَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَكَ.
مَقَامُ الرَّجَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩].
نص الرسالة والشرح
فِي هَذِهِ اللَّيَالِي المُبَارَكَةِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ يَعْظُمُ رَجَاءُ المُؤْمِنِينَ فِي رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَيَخْلُو بِهِ العَاكِفُونَ، وَيُلِحُّ عَلَيْهِ الدَّاعُونَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ القُلُوبُ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ. لَا يَمَلُّ فِيهِ المُسْلِمُ مِنَ الدَّوِيِّ بِالقُرْآنِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ، وَلَا تَمَلُّ الجِبَاهُ مِنْ طُولِ السُّجُودِ، وَلَا تَشْتَكِي الأَقْدَامُ طُولَ القُنُوتِ؛ فَالرَّغْبَةُ فِي اللَّهِ تَعَالَى عَظِيمَةٌ، وَالرَّجَاءُ فِيهِ سُبْحَانَهُ كَبِيرٌ. حَتَّى إِذَا كَانَ الهَزِيعُ الأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ عَظُمَتِ الرَّغْبَةُ وَالرَّجَاءُ فِيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَمْتَمَتِ الشِّفَاهُ بِدَعَوَاتٍ مُبَارَكَاتٍ تَتَيَقَّنُ القُلُوبُ قَبُولَهَا؛ لِأَنَّهَا دَعَوَاتٌ تُرْفَعُ لِلْجَوَادِ الكَرِيمِ مِنْ نُفُوسٍ تُظْهِرُ الِافْتِقَارَ وَالحَاجَةَ لِلْعَلِيِّ الكَبِيرِ، سَبَقَهَا قُرُبَاتٌ صَالِحَةٌ تُمَهِّدُ لِلْقَبُولِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِرٍ: ١٠]. فَيَا لِلَّهِ العَظِيمِ! مَا أَجْمَلَ هَذِهِ اللَّيَالِي المُبَارَكَاتِ، وَمَا أَعْظَمَ لَذَّةَ المُنَاجَاةِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَمَا أَطْيَبَ الِاسْتِغْفَارَ فِي الأَسْحَارِ!
إِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الصَّالِحِينَ يَرْجُونَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَتَهُ، وَقَدْ أَخَذُوا بِأَسْبَابِهَا، وَعَمِلُوا بِأَعْمَالِهَا، فِي لَيَالٍ هِيَ أَرْجَى اللَّيَالِي، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٩]. وَهَذِهِ الأَعْمَالُ كُلُّهَا تَتَجَسَّدُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي المُبَارَكَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَهُمْ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَقُومُونَ بِهِ فِي تَرَاوِيحِهِمْ، وَقَدْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَحَافَظُوا عَلَيْهَا، وَأَيْدِيهِمْ نَدِيَّةٌ بِالإِنْفَاقِ وَالإِحْسَانِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَرْجُونَ بِأَفْعَالِهِمْ هَذِهِ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٠].
إِنَّ أَهْلَ الرَّجَاءِ يَا أَخِي أَهْلُ إِخْبَاتٍ وَعِبَادَةٍ، يَتَفَقَّدُونَ قُلُوبَهُمْ وَيُزَكُّونَ بِالصَّالِحَاتِ نُفُوسَهُمْ، وَيُرَابِطُونَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ، تَطْرَبُ قُلُوبُهُمْ بِالقُرْآنِ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ مِنَ الخَشْيَةِ، وَتَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الخُشُوعِ، يَلْحَظُونَ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ أُمُورِهِمْ، وَيَرَوْنَ تَقْصِيرَهُمْ فِي حَقِّهِ مَهْمَا عَمِلُوا، فَالشُّكْرُ دَيْدَنُهُمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ عَادَتُهُمْ، وَلَا تَفْتُرُ أَلْسِنَتُهُمْ عَنِ الشُّكْرِ وَالذِّكْرِ. سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَا عَلَامَةُ الرَّجَاءِ فِي العَبْدِ؟ فَقَالَ: أَنْ يَكُونَ إِذَا أَحَاطَ بِهِ الإِحْسَانُ أُلْهِمَ الشُّكْرَ، رَاجِيًا لِتَمَامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَمَامِ عَفْوِهِ عَنْهُ فِي الآخِرَةِ».
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٩].
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ...﴾ [الزُّمَرِ: ٩].
مَقَامُ الخَوْفِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦].
نص الرسالة والشرح
إِنَّ الخَوْفَ مِنْ أَعْظَمِ مَنَازِلِ العُبُودِيَّةِ وَأَنْفَعِهَا، وَمِنْ أَجَلِّ أَعْمَالِ القُلُوبِ وَأَرْفَعِهَا. وَالخَوْفُ ثَالِثُ أَرْكَانِ العِبَادَةِ؛ إِذْ هِيَ تَقُومُ عَلَى الحُبِّ، وَالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ. وَلَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ فِي بَيَانِ فَضْلِ الخَوْفِ، وَالحَثِّ عَلَيْهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهِ، وَوُجُوبِ إِفْرَادِ اللَّهِ بِهِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٥]. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦]. وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٤].
وَإِذَا قَامَ الخَوْفُ أَخِي الصَّائِمُ مِنَ اللَّهِ فِي قَلْبِ العَبْدِ فَلَا تَسَلْ عَمَّا يُعْقِبُهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَا يُورِثُهُ مِنَ الصَّلَاحِ، وَالِاسْتِقَامَةِ وَالأَمْنِ وَالهُدَى وَالنُّورِ، وَإِذَا عَرِيَ القَلْبُ مِنَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ فَلَا تَسَلْ عَمَّا يُورِثُهُ ذَلِكَ مِنَ الغَمِّ، وَالشَّرِّ، وَالفَسَادِ، وَالقَلَقِ، وَالِاضْطِرَابِ، وَالضَّنْكِ، وَالظُّلْمَةِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ المُنَافِقِينَ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأَنْعَامِ: ٨٢]. قَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مَسْلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الخَوْفُ سِرَاجٌ فِي القَلْبِ بِهِ يُبْصَرُ مَا فِيهِ مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكُلُّ أَحَدٍ إِذَا خِفْتَهُ هَرَبْتَ مِنْهُ، إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّكَ إِذَا خِفْتَهُ هَرَبْتَ إِلَيْهِ؛ فَالخَائِفُ مِنْ رَبِّهِ هَارِبٌ إِلَيْهِ».
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِذَا سَكَنَ الخَوْفُ القُلُوبَ أَحْرَقَ مَوَاضِعَ الشَّهَوَاتِ مِنْهَا، وَطَرَدَ الدُّنْيَا عَنْهَا». وَقَالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «النَّاسُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ الخَوْفُ؛ فَإِذَا زَالَ الخَوْفُ ضَلُّوا الطَّرِيقَ».
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦].
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأَنْعَامِ: ٨٢].
مَقَامُ التَّوَكُّلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هُودٍ: ١٢٣].
نص الرسالة والشرح
التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِجْلَابِ المَصَالِحِ وَدَفْعِ المَضَارِّ، مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ؛ فِيمَا يَرْغَبُ فِيهِ مِنَ الحَاجَاتِ، وَفِيمَا يَحْذَرُهُ وَيَخَافُهُ مِنَ الآفَاتِ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الطَّاعَاتِ، وَفِيمَا يَجْتَنِبُهُ مِنَ الزَّلَّاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. فَالمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ: هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ كَافِلٌ رِزْقَهُ، مُدَبِّرٌ أَمْرَهُ، فَيَرْكَنُ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى أَحَدٍ سِوَاهُ.
وَيَذْكُرُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» أَنَّ التَّوَكُّلَ حَالٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ لَا يَتَحَقَّقُ التَّوَكُّلُ إِلَّا بِهَا:
١. مَعْرِفَةٌ بِالرَّبِّ وَصِفَاتِهِ؛ مِنْ قُدْرَتِهِ وَكِفَايَتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، وَانْتِهَاءِ الأُمُورِ إِلَى عِلْمِهِ، وَصُدُورِهَا عَنْ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
٢. الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا.
٣. رُسُوخُ القَلْبِ فِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ؛ وَعَلَى قَدْرِ تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ وَصِحَّتِهِ تَكُونُ صِحَّةُ التَّوَكُّلِ.
٤. اعْتِمَادُ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ وَاسْتِنَادُهُ إِلَيْهِ وَسُكُونُهُ إِلَيْهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالأَسْبَابِ.
٥. حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَعْتَقِدُ أَنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ خَيْرٌ مِنْ تَدْبِيرِكَ لِنَفْسِكَ.
٦. الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ، وَالتَّفْوِيضُ؛ وَهُوَ رُوحُ التَّوَكُّلِ وَلُبُّهُ وَحَقِيقَتُهُ.
٧. الرِّضَا؛ وَهُوَ ثَمَرَةُ التَّوَكُّلِ، فَإِنَّ مَنْ تَوَكَّلَ حَقَّ التَّوَكُّلِ رَضِيَ بِمَا يَفْعَلُهُ وَكِيلُهُ.
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هُودٍ: ٨٨].
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٣].
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المَائِدَةِ: ٢٣].
مَقَامُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فَاطِرٍ: ١٥].
نص الرسالة والشرح
هُوَ دَوَامُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنْ يَشْهَدَ العَبْدُ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ فَاقَةً تَامَّةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَالِافْتِقَارُ المُطْلَقُ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ مِنْ أَخَصِّ خَصَائِصِ العُبُودِيَّةِ وَلُبُّهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فَاطِرٍ: ١٥]. وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤].
وَأَرْفَعُ مَقَامَاتِ الذِّلَّةِ وَالِافْتِقَارِ أَنْ يُطَاطِئَ العَبْدُ رَأْسَهُ بِالرُّكُوعِ، وَيُعَفِّرَ جَبْهَتَهُ بِالتُّرَابِ مُسْتَجِيرًا بِاللَّهِ مُنِيبًا إِلَيْهِ. وَلِهَذَا كَانَ الرُّكُوعُ مَكَانَ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ السُّجُودُ مَكَانَ السُّؤَالِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَكْثِرْ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجِيرُ، الوَجِلُ المُشْفِقُ، المُقِرُّ المُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ...».
مَقَامُ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ:
عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَقَامُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ رَجُلٍ سِتِّينَ سَنَةً». المستدرك على الصحيحين (2/ 78) حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه
نص الرسالة والشرح
كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ شَهْرَ الجِهَادِ وَالنَّصْرِ. وَالجِهَادُ -كَمَا ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ- عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الكُفَّارِ، وَجِهَادُ المُنَافِقِينَ. وَأَكْمَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الجِهَادِ كُلَّهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧٠]. وَفِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ المُبَارَكِ السَّابعِ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ فِي العَامِ الثَّانِي مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَقَعَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى، تِلْكَ الغَزْوَةُ الفَاصِلَةُ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ.
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا نِيَّةَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
- لَا تَنْسَ إِخْوَانَكَ المُجَاهِدِينَ فِي فِلَسْطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ بِالدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ.
- أَنْفِقْ مِنْ مَالِكَ لِدَعْمِ إِخْوَانِكَ المُجَاهِدِينَ.
مَقَامُ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
«المَوْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَسْمَى أَمَانِينَا».
نص الرسالة والشرح
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتَّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتَّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧-١٥٨].
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
- اسْتَصْحِبْ نِيَّةَ الجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِصِدْقٍ.
- لَا تَنْسَ إِخْوَانَكَ المُجَاهِدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِالدُّعَاءِ والنُّصْرَةِ.
مَقَامُ السَّكِينَةِ وَالفَتْحِ القَرِيبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفَتْحِ: ١٨].
نص الرسالة والشرح
تِلْكَ لَحْظَةٌ قُدْسِيَّةٌ شَهِدَ فِيهَا الوُجُودُ كُلُّهُ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ العَلَوِيَّ الكَرِيمَ مِنَ اللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ إِلَى رَسُولِهِ الأَمِينِ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ؛ أُولَئِكَ الرِّجَالِ السُّعَدَاءِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، أَنَّهُمْ هُمْ، بِأَشْخَاصِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَقَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفَتْحِ: ١٨].
- لَا تَيْأَسُوا؛ فَلَيْسَ اليَأْسُ مِنْ أَخْلَاقِ المُسْلِمِينَ، وَحَقَائِقُ اليَوْمِ أَحْلَامُ الأَمْسِ، وَأَحْلَامُ اليَوْمِ حَقَائِقُ الغَدِ.
مَقَامُ اغْتِنَامِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَسْرَعَتْ أَيَّامُ رَمَضَانَ وَلَيَالِيهِ انْقِضَاءً، وَمَرَّ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرُهُ الأَوَائِلُ ثُمَّ عَشْرُهُ الأَوَاسِطُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا الثُّلُثُ الأَخِيرُ وَالعَشْرُ الأَوَاخِرُ.. وَإِذَا كَانَ العُلَمَاءُ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ هُوَ خَيْرُ الشُّهُورِ وَأَفْضَلُهَا، فَإِنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْهُ هِيَ أَفْضَلُ مَا فِيهِ وَأَعْظَمُ لَيَالِيهِ؛ فَهِيَ فَضْلُ الفَضْلِ وَخَيْرُ الخَيْرِ.. وَأَعْظَمُهَا بِالإِجْمَاعِ لَيْلَةُ القَدْرِ فَهِيَ أَفْضَلُ العَشْرِ بَلْ أَفْضَلُ لَيْلَةٍ فِي الوُجُودِ.
- اسْتَدْرِكُوا فِي آخِرِ شَهْرِكُمْ مَا فَاتَكُمْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَأَحْسِنُوا خَاتَمَتَهُ فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ.
- ادْعُ اللَّهَ: «اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَبَلِّغْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ».
مَقَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القَدْرِ: ٣].
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القَدْرِ: ١-٥].
نص الرسالة والشرح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فَضْلُ لَيْلَةِ القَدْرِ:
- أُنْزِلَ فِيهَا القُرْآنُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
- يُقَدِّرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهَا كُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي السَّنَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤-٥].
- أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدُّخَانِ: ٣].
- العِبَادَةُ فِيهَا تَفْضُلُ العِبَادَةَ فِي أَلْفِ شَهْرٍ (تَعْدِلُ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ).
- يَنْزِلُ فِيهَا جِبْرِيلُ وَالمَلَائِكَةُ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ.
- لَيْلَةُ القَدْرِ سَلَامٌ؛ فَهِيَ لَيْلَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الشَّرِّ وَالأَذَى، وَتَكْثُرُ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنَ العَذَابِ.
- احْرِصْ أَخِي الكَرِيمَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِنَّهَا لَيْلَةٌ لَا تُشْبِهُ لَيَالِيَ الدَّهْرِ، فَخُذْ أَيُّهَا المُسْلِمُ بِنَصِيبِكَ مِنْ خَيْرِهَا الحَسَنِ، وَاهْجُرْ لَذَّةَ النَّوْمِ وَطِيبَ الوَسَنِ، وَجَافِ جَنْبَيْكَ عَنْ مَضْجَعِكَ الحَسَنِ.
مَقَامُ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإِسْرَاءِ: ١٠٩].
نص الرسالة والشرح
إِنَّ البُكَاءَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عِبَادَةٌ مِنْ عِبَادَاتِ النَّبِيِّينَ، وَمَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وَطَرِيقٌ لَاحِبٌ إِلَى رِضَا رَبِّ العَالَمِينَ وَالفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٨].
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمَ النَّاسِ خَشْيَةً لِرَبِّهِ؛ فَهُوَ كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُكُمْ لِلَّهِ خَشْيَةً وَأَتْقَاكُمْ لَهُ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاءِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
- احْرِصْ أَخِي الكَرِيمَ عَلَى الخُشُوعِ فِي صَلَاتِكَ وَعِبَادَاتِكَ كُلِّهَا، وَدَعْ عَيْنَكَ تَذْرِفُ الدَّمْعَ السَّخِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَاسْمَعْ لِرَبِّكَ إِذْ يَدْعُوكَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحَدِيدِ: ١٦].
مَقَامُ الِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحَجِّ: ٧٨].
نص الرسالة والشرح
إِنَّ مَدَارَ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ، وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَاتَيْنِ العِصْمَتَيْنِ. فَأَمَّا الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِهِ فَإِنَّهُ يَعْصِمُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالِاعْتِصَامُ بِهِ يَعْصِمُ مِنَ الهَلَكَةِ.
فَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يُوجِبُ لَهُ الهِدَايَةَ وَاتِّبَاعَ الدَّلِيلِ، وَالِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ يُوجِبُ لَهُ القُوَّةَ وَالعُدَّةَ وَالسِّلَاحَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، وَهُوَ النُّورُ المُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ».
- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الفُرْقَةِ».
مَقَامُ اليَقَظَةِ مِنَ الغَفْلَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سَبَإٍ: ٤٦].
نص الرسالة والشرح
حِينَ يَرَى العَبْدُ أَنَّهُ غَارِقٌ فِي بِحَارِ الغَفْلَةِ وَمُسْتَنْقَعِ الشَّهَوَاتِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَشْعُرُ أَنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلَى رَحْمَةِ مَوْلَاهُ، فَيَشْتَاقُ إِلَى سَعَادَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا شَقَاءٌ.
إِنَّ يَقَظَةَ القَلْبِ: أَنْ يَقُومَ مِنْ سُبَاتِهِ وَغَفَلَاتِهِ مُسْتَشْعِرًا قُرْبَ الأَجَلِ وَقِصَرَ هَذِهِ الحَيَاةِ، مُشَمِّرًا عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ نَحْوَ المَطَالِبِ العَالِيَةِ، وَأَخْذَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُوَّةٍ وَحَزْمٍ.
- شَمِّرْ وَاسْتَصْحِبْ فِي هَذِهِ العَشْرِ وَمَا بَعْدَهَا الحَدِيثَ: «أَلَا هَلْ مُشَمِّرٌ إِلَى الجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ...» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
مَقَامُ الوَرَعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
«كُنْ وَرِعًا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ».
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ العِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ» [رَوَاهُ البَزَّارُ وَالحَاكِمُ].
- اخْرُجْ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ.
- حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ.
- اتْرُكْ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.
مَقَامُ عُلُوِّ الهِمَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
نص الرسالة والشرح
«لَمْ أَرَ أَقْعَدَ بِالرَّجُلِ مِنْ سُقُوطِ هِمَّتِهِ».
عُلُوُّ الهِمَّةِ أَلَّا تَقِفَ النَّفْسُ دُونَ اللَّهِ، وَأَلَّا تَتَعَوَّضَ عَنْهُ بِشَيْءٍ سِوَاهُ، وَلَا تَرْضَى بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنْهُ، وَلَا تَبِيعَ حَظَّهَا مِنَ اللَّهِ وَقُرْبِهِ وَالأُنْسِ بِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الحُظُوظِ الخَسِيسَةِ الفَانِيَةِ. فَالهِمَّةُ العَالِيَةُ كَالطَّائِرِ العَالِي عَلَى الطُّيُورِ، لَا يَرْضَى بِمَسَاقِطِهِمْ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَرَاتِبَ الهِمَمِ فَانْظُرْ إِلَى هِمَّةِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْنِي، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ».
- اسْتَصْحِبْ دَائِمًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩].
مَقَامُ الإِشْفَاقِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاءِ: ٤٩].
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطُّورِ: ٢٦-٢٧].
نص الرسالة والشرح
الإِشْفَاقُ رِقَّةُ الخَوْفِ، وَهِيَ أَلْطَفُ الرَّحْمَةِ وَأَرَقُّهَا، يَخَافُ عَلَى عَمَلِهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفُرْقَانِ: ٢٣].
- احْذَرْ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ وَتُطِيعَ الشَّيْطَانَ فَيَحْبَطَ عَمَلُكَ.
مَقَامُ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠].
نص الرسالة والشرح
الحُرُمَاتُ هِيَ مَا وَجَبَ القِيَامُ بِهِ، وَحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ يَتْبَعُهُ التَّحَرُّجُ مِنَ المَسَاسِ بِهَا. وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ بِالمُسَارَعَةِ إِلَيْهَا وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحَجِّ: ٣٢].
- أَظْهِرِ التَّعْظِيمَ لِلشَّعَائِرِ وَالحُرُمَاتِ بِتَوْقِيرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي سُلُوكِكَ كَقُدْوَةٍ وَمُرَبٍّ، فَيَجِبُ أَنْ يَرَى أَبْنَاؤُكَ وَإِخْوَانُكَ عَلَامَاتِ تَعْظِيمِهَا وَالحِرْصِ عَلَيْهَا.
مَقَامُ الحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العَلَقِ: ١٤].
نص الرسالة والشرح
الحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ وَأَجَلُّ الأَخْلَاقِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ» [رَوَاهُ الحَاكِمُ]. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الحَيَاءُ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
- اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، أَوْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ.
- اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُقَابِلَكَ بِالإِحْسَانِ وَتُقَابِلَهُ بِالعِصْيَانِ.
- اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ أَنْ تُرَاقِبَ النَّاسَ وَتَسْتَخْفِيَ مِنْهُمْ بِالذَّنْبِ ثُمَّ تَبَارِزَهُ إِذَا خَلَوْتَ.
مَقَامُ الفَرَحِ بِتَمَامِ طَاعَةِ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٨].
نص الرسالة والشرح
وَغَدًا يَا أَخِي الحَبِيبَ هُوَ يَوْمُ الفِطْرِ السَّعِيدُ، يَوْمُ الجَائِزَةِ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِيدًا وَفَرَحًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
فَفَرَحُنَا اليَوْمَ فَرَحُ الشَّاكِرِ لِرَبِّهِ عَلَى كَمَالِ العِبَادَةِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ.. فَمَنْ وُفِّقَ لِصِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَبَلَّغَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ القَدْرِ، وَأَتَى بِكُلِّ هَذَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
- امْلَأْ لَيْلَةَ العِيدِ وَطَرِيقَكَ لِمُصَلَّى العِيدِ بِالتَّكْبِيرِ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الحَمْدُ.
- أَظْهِرِ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
- التَّوْسِعَةُ عَلَى أَهْلِكَ وَعِيَالِكَ.
- صِلَةُ رَحِمِكَ.
📅 رسالة اليوم
ضبط اليوم حسب بلدك
يحسب التطبيق اليوم من التقويم الهجري على جهازك، وقد يختلف بدء رمضان في بلدك بيوم. فإن لم يوافق اليوم المعروض بلدك فعدّله هنا مرة واحدة.